محمد باقر الملكي الميانجي

80

مناهج البيان في تفسير القرآن

قال الرازي في تفسيره 7 / 79 : فقد فسّرت هذه الآية بجميع الأعداد الممكنة في معنى الإحصار ، فالأوّل أنّ المعنى : إنّهم حصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد . . . والقول الثاني : وهو قول قتادة وابن زيد : منعوا أنفسهم من التصرّفات في التجارة للمعاش خوف العدوّ من الكفّار . . . والقول الثالث ؛ وهو قول سعيد بن المسيّب واختيار الكسائي إنّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحات مع رسول اللّه ( ص ) وصاروا زمنى فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض . . . والقول الرابع ، قال ابن عباس : هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل اللّه فعذرهم اللّه . والقول الخامس ، هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر اللّه وطاعته وعبوديّته ، وكانت شدّة استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمّات . وقال في المنار 3 / 86 : فالصفّة - بالضم كالظلّة لفظا ومعنى - قال : أولئك الّذين نزلت فيهم الآية ، كانوا من الّذين هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها ، فهم محصرون في سبيل اللّه بهذه الهجرة ، ومحصرون بحبس أنفسهم حفظ القرآن ، وقد كان حفظه أفضل العبادات على الإطلاق ، لأنّه حفظ الدّين كلّه . . . وإنّما كانوا يحفظونه للفهم والاهتداء والعمل به ، ولحفظ الدّين بحفظه ، وكانوا أيضا يحفظون ما يبيّنه به النبيّ ( ص ) من سنّته . أقول : لا يخفى على المنصف وهن أكثر هذه التأويلات ، فإنّها علل مجعولة بعد الوقوع ، ألم تسألوا عن أنفسهم أنّ من المهاجرين من هو أعظم جاها وأرفع شأنا ، منهم علي عليه السلام وغيره من أعاظم المهاجرين ؟ فلأيّ مرجّح تعيّن أصحاب الصفّة بالجهاد وحفظ القرآن وفهمه ؟ وأيّ مرجّح لهم على الأنصار أرباب الثروة والفراغ منهم أو غيرهم من أوساطهم أو فقرائهم ؟ والتفقّه في صدر الإسلام مع وجود المعصوم وتواتر الوحي من اللّه لم يكن بهذه المثابة . والظاهر أنّ من المهاجرين من قد هجمت عليه عوامل الضيق وعلل الإملاق من كلّ ناحية ، حيث إنّ المهاجرين قد خرجوا من مساكنهم وديارهم وأولادهم صفر اليدين ، ونزلوا المدينة وأووا إلى الأنصار وصار عيشهم في ضنك وضيق ، ولم تكن المدينة من كبريات المدن ، الّتي تكون فيها أشغال كثيرة وحرف